الجمهورية العراقية وسياسة الاستقلال والسيادة

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin

د. غازي فيصل حسين

مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية

وسط الاضطرابات الكبيرة في الشرق الاوسط، تبنت الجمهورية العراقية اختيار طريقها الخاص، على صعيد السياستين الداخلية والخارجية، في الوقت الذي كان فيه الوضع الدولي يعاني من الخلافات والصراعات بين القوى العظمى. لقد تعثرت السياسة الداخلية بسبب الصراعات على السلطة بين الأحزاب السياسية المُمثلة في جبهة الاتحاد الوطني والتي تضم الضباط الاحرار، واتسعت ظاهرة انعدام الامن والاستقرار بسبب محاولة الحزب الشيوعي العراقي الهيمنة والاستحواذ على السلطة السياسية من خلال القيادات العسكرية والتأسيس لنظام شمولي عبر التحالف مع السياسة السوفيتية. 

وبفعل تضارب المواقف السياسية للأحزاب العراقية من العلاقة الاستراتيجية مع الاتحاد السوفيتي ووحدة العراق الفورية والاندماجية مع الجمهورية العربية المتحدة، شهدت العلاقات بين الأحزاب توترا حاداً، فحزب البعث العربي والاشتراكي اتخذ موقفاً مؤيدا للوحدة الشاملة مع الجمهورية العربية المتحدة، وعلى العكس تبنى الحزب الشيوعي العراقي موقفا معارضاً للوحدة الاندماجية، وطالب بالاتحاد الفيدرالي مع الجمهورية العربية المتحدة والصداقة مع الاتحاد السوفيتي، وساند هذا الموقف الزعيم عبد الكريم قاسم، ليشارك في ترسيخ وتعميق الانقسام بين قيادة الضباط الاحرار وقيادات الأحزاب السياسية العراقية. 

وفي الواقع، قدم الكرملين الدعم السياسي والتسليحي والاقتصادي للجمهورية العراقية، عبر التوقيع على مجموعة من الاتفاقيات بين البلدين، بهدف التوجيه والتحكم في السياسة العراقية، بما ينسجم مع أهداف السياسة السوفيتية في الشرق الاوسط والعالم العربي، ولمنع العراق من البحث عن تجديد التعاون مع الولايات المتحدة الامريكية ودول أوروبا الغربية. وللتعبير عن جدية موسكو في توثيق علاقات التعاون مع الحكومة العراقية، تم التوقيع على اتفاقية لتنظيم التجارة بين البلدين في 13 تشرين الاول 1958م. كما وقعت اتفاقية للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي في 16 آذار 1959م، إضافة لتوقيع اتفاقية للتعاون الثقافي والعلمي في 9 مايس 1959. لقد سمحت ومهدت هذه المجموعة من الاتفاقيات مع الاتحاد السوفيتي، لانسحاب العراق من جميع الاتفاقيات السابقة مع الدول الغربية، مما عمق الشعور بعزلة العراق على صعيد العلاقات الإقليمية والدولية. ولكن اتفاقيات وبرامج الدعم والمساعدة التي قدمها الاتحاد السوفيتي، في مجال التسليح والتصنيع وتطوير التكنولوجيا. 

وشهدت الحياة السياسية انتهاكات خطيرة لحقوق الانسان والديمقراطية وعودة السجون والمعتقلات والتعذيب، وتعرضت القوى السياسية الوطنية والتي ترفض سياسيات التطرف والتبعية للاتحاد السوفيتي، لمختلف اشكال الاقصاء والتهميش والاعتقالات العشوائية. مما وضع العراق في مواجهة العديد من العقبات والتحديات والأزمات الداخلية واتساع اعمال العنف الاجتماعي والسياسي. وتشير هيلين كارير دانكوس Hélène CARRERE D’ENCAUSSE الباحثة في الشؤون السياسية السوفيتية: ان الأسباب المؤدية لتدهور الاوضاع السياسية الداخلية ارتبطت، “بالاتساع السريع لنفوذ الحزب الشيوعي العراقي، مما عمق القلق بين جميع الأحزاب والشخصيات التي ترفض الراديكالية التي طبعت النظام العسكري، ثم انتقل القلق الى الدول الإقليمية، حيث عبرت السياسة الخارجية المصرية، عن الشجب والادانة للإرهاب الأحمر والمد الشيوعي للتطرف والعنف”.

تأسيس منظمة الدول المصدرة للنفط OPEC

لقد تبنى العراق بعد 14 تموز 1958م، استراتيجية للاستقلال عن الشركات والكارتيلات النفطية البريطانية والأمريكية، وتقدم بإعلان مبادرة لدعوة ممثلي البلدان المصدرة للنفط للاجتماع في بغداد في 16 أيلول 1960م، حيث “تم الاتفاق على إنشاء منظمة عامة دائمة للبلدان المصدرة للنفط أوبك OPEC”، بهدف توحيد وتحديد مواقف وسياسات الدول المصدرة للنفط، فيما يتعلق بالأسعار والإنتاج وكل ما يتعلق بالسوق النفطية لتلبية حاجة السوق وارتفاع او انخفاض الطلب على النفط في الأسواق العالمية لحماية مصالح الدول النفطية المنتجة. وشكل الإعلان عن تأسيس منظمة أوبك OPEC في بغداد، “نجاحاً لحكومة بغداد في مجال تحرير الثروة النفطية الوطنية من احتكار الشركات الرأسمالية”.

بعد نجاح بغداد في تأسيس منظمة الدول المصدرة للنفط، بدأت المفاوضات بين الحكومة العراقية وشركة نفط العراقIPC، بشأن رفع معدلات الارباح من الصادرات النفطية ومشاركة العراق في رسم سياسات الإنتاج، لكن المحادثات فشلت وذهبت لطريق مسدود بسبب تعنت الشركات النفطية الاحتكارية. مما دفع الحكومة العراقية، لتشريع القانون رقم 80 لسنة 1961م الذي يحدد مناطق وحدود الاستثمار لشركات النفط في 11 كانون الاول 1961م. لقد “كان هدف الحكومة العراقية، زيادة عائدات الأرباح التي تدفعها الشركات النفطية للعراق ورفع قدرته في استثمار الاحتياطات النفطية بما ينسجم مع المصالح الوطنية للعراق، من خلال الانفتاح وتعميق المنافسة بين الشركات النفطية ومساهمة العراق في رأس المال كشريك في الاستثمار والإنتاج”. 

ولابد من التذكير، ان بيانات وتصريحات الزعيم عبد الكريم قاسم، تضمنت منذ اعلان الجمهورية العراقية في 14 تموز 1958م، التأكيد على الالتزام “بعلاقات الاخوة مع البلدان العربية والإسلامية”، وفي نفس الوقت أعلن عن تأييده والتزامه “بمبادئ منظمة الأمم المتحدة وإعلان مؤتمر باندونج”، مما يعبر عن التزام الجمهورية العراقية بسياسة الحياد الايجابي وعدم الانحياز. وبجانب اهتمام العراق بانخراطه في التنسيق مع جامعة الدول العربية، اهتمت السياسة الخارجية العراقية بالتعاون مع منظمة الامم المتحدة إضافة لمؤتمرات حركة عدم الانحياز، للتأكيد على سياسة الاستقلال السياسي والاقتصادي وضمان السيادة الوطنية مع رفض الاحلاف العسكرية ومختلف اشكال الاستعمار التقليدي والحديث. 

لقد تقمص الزعيم عبد الكريم قاسم، شخصية القائد الوطني المناهض للاستعمار والمقرب من الحزب الشيوعي العراقي والمدافع عن الفقراء، والديمقراطي الذي وعد بانتهاء المرحلة الانتقالية بالاستفتاء على دستور دائم يضمن إعادة السلطة المدنية ودولة المؤسسات، لكنه عمليا كرس استبداد السلطة العسكرية، وتعزيز الديكتاتورية والحكم الفردي، كما كان يصف نفسه في خطبه المطولة بالزعيم الأوحد. لقد رسخت سياسات الاضطرابات والازمات في السياسة الداخلية للعراق، ظاهرة عدم الاستقرار السياسي ومظاهر العنف والخوف وتعميق انتهاكات حقوق الانسان ومبادئ الديمقراطية وقمع الحريات العامة والفردية. هكذا تحول الجيش العراقي، الى أداة لتغذية الصراعات السياسية والانقلابات العسكرية. مما ساعد على تكريس الأزمات الداخلية واستمرار التوتر في العلاقات العراقية العربية. لقد تسببت السياسة الاستبدادية واحتكار السلطة، لإعلان فشل النظام العسكري على جميع الجبهات، قبل أن ينهار في النهاية في 8 شباط 1963م.

error: Content is protected !!