اللقاء اليساري العربي: التحديات السياسية عربيا وعالميا، وكيفية المواجهة 

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin

د. ماري ناصيف الدبس

مقدّمة

يعيش العالم، اليوم، حربا كونية ثالثة انطلقت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي بهدف إعادة ترسيم حدود الدول في أوروبا، أولا، ومن ثم في مناطق الجنوب، وبالتحديد في منطقة الشرق الأوسط التي لا تزال تشكّل الثقل الأساسي في الاقتصاد العالمي، من حيث كونها المصدر الأول للطاقة وطرق إمداد العالم بها، وكون كل ما يحكى عن الطاقة البديلة لن يكون قابلا لمنافسة الوضع الحالي قبل عقود عديدة بحسب الدراسات الصادرة عن مراكز الأبحاث في دول المركز الرأسمالي، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص.

هذه الحرب، العسكرية والاقتصادية اتخذت، في الآونة الأخيرة، أبعادا جديدة خطيرة من خلال الحرب التي تشنها الولايات المتحدة، ومعها أوروبا، للابقاء على الاحادية القطبية في السيطرة على العالم، والتي انطلقت تحت شعار توسيع دائرة تواجد ونفوذ حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى بعض الدول الاسكندنافية وخاصة إلى أوكرانيا، حيث المعارك الدائرة، منذ أواخر شهر شباط / فبرايرمن العام الحالي 2022، بين الجيشين الروسي والأوكراني تنذر بعواقب وخيمة على العالم ككل… ولا ننسى عودة التوتر إلى تايوان، عبر تدخلات الادارة الأميركية في الشؤون الداخلية لجمهورية الصين، ولا كذلك أصابع استخبارات البيت الأبيض في عدد من بلدان أميركا اللاتينية وأفريقيا. كما لا ننسى الاعتداءات التي ينفذها الكيان الصهيوني، والتي توسعت رقعتها منذ بعض الوقت، ولا كذلك ما يجري في منطقة الخليج العربي والقرن الأفريقي.

من هنا، لا بد من دراسة، ولو كانت سريعة، للوضع العالمي والتحديات التي تعيشها شعوب الأرض، للانتقال منها إلى أوضاع بلداننا العربية والمشاريع الامبريالية الجديدة – القديمة لابقائها تحت السيطرة والتبعية، مع تخصيص قضية فلسطين، قضية العرب المركزية، ليصار بعد ذلك إلى طرح عناوين مشروع المواجهة بمختلف مستوياتها.

كيف يبدو الوضع العالمي اليوم؟

بعد ما يقارب الخمسة عشر عاما على انفجار الأزمة الرأسمالية في الولايات المتحدة الأميركية وما تركته من انعكاسات سلبية كارثية على الوضع العالمي، يمكن القول أن النظام الرأسمالي العالمي لم يستطع حتى الآن لا الخروج من عنق الزجاجة ولا، حتى، إيجاد حلول جزئية لبعض انعكاساتها، خاصة في مجالي السياسات الاقتصادية والمالية التي اتبعت، بما يمكن أن يؤثر إيجابيا على الأوضاع الاجتماعية التي وصلت إلى مستويات من التعثّر تعدّت ما كانت علية الحال إبان أزمة 1929 التي كانت الشرارة لاندلاع الحرب العالمية الثانية. وزاد في الطين بلّة انتشار جائحة كورونا التي أظهرت، إلى جانب الاقتصاد، مدى هشاشة النظام الصحي في الدول الرأسمالية، وبالتحديد في دول المركز، خاصة وأن الأنظمة الرأسمالية تراجعت في فترة السنوات العشرين الماضية عن غالبية التقديمات التي كانت قد أعطتها، أو وعدت بتطويرها، خلال فترة الصراع مع الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية… كما بدأت تتراجع كذلك عن حق العمل ومعه تعويضات التقاعد والضمانات والتأمينات الاجتماعية الأخرى، إضافة إلى الضربات التي تلقاها القطاع العام ومؤسساته التعليمية والخدماتية.

كل ذلك ترافق على الصعيد العالمي مع ارتفاع في مستوى الدين العام من الناتج المحلي… وإذا كانت البلدان النامية قد تأثرت سلبيا من هذا الارتفاع، كونها تشكّل العنصر الأضعف، إلا أن الملفت في الأمر أنه بلغ، في العام 2020، وبحسب تقارير صندوق النقد الدولي، ما يقارب 125% في الاقتصادات الرأسمالية الأساسية (أو “المتقدمة”كما يقال)، وتجدر الاشارة في هذا المجال إلى أن الدين العام من الناتج المحلي في الولايات المتحدة الأميركية هو الأبرز، كونه سجل الأرقام الأعلى في تاريخ الولايات المتحدة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تفاقم مع وجود عجوزات ضخمة في المالية العامة وانهيار في الايرادات جرّاء الركود الاقتصادي، من جهة، وانتشار جائحة كورونا، من جهة ثانية. لذا، ازدادت حدة الأعمال العدوانية التي يقوم بها النظام الرأسمالي، أولا للحفاظ على سيطرته ومنع قيام قطب منافس له ومن نفس طبيعته تقريبا، وثانيا لتصعيد استثماره للثروات التي تزخر بها الأرض وتوظيفها من أجل الخروج من الأزمة المتفاقمة… هذا، عدا عن أن الحروب العدوانية بحاجة إلى أسلحة وذخائر، الأمر الذي يدر مالا وفيرا على الشركات الأميركية وبعضا من الشركات الأوروبية العاملة في هذا المجال. أما مئات الملايين الذين ماتوا أو سيموتون من هذه الحروب، وكذلك من الأوبئة نتيجة عدم توفّر الدواء والعلاج، فهم مجرّد أرقام تذكر في الدراسات الاحصائية ليس إلا.

كيف تبدو إنعكاسات هذا الوضع على العالم العربي؟

تجدر الاشارة، بداية، إلى أن الأزمة التي تعيشها دول المركز الرأسمالي قد أثرت وتؤثر بشكل مباشر وعميق على العالم العربي وشعوبه، كون الأنظمة السياسية بمجملها في هذه المنطقة موسومة بالتبعية، وكون السمة الأساسية لاقتصاداتها ريعية غير منتجة سوى للمواد الأولية، ومنها الغاز والبترول على وجه التحديد المرتبطين أساسا بالشركات الأميركية والبريطانية والفرنسية والتي يتواجد الجزء الأكبر من عائداتهما تحت إشراف مباشر لدول المركز الرأسمالي (في المصارف أم في أسهم الشركات الانتاجية) …

وكون الغاز والبترول لا يزالا – كما سبق وأسلفنا – المصدر الأساس والأوفر للشركات الكبرى في بلدان المركز الرأسمالي، فإن السيطرة على مواقع استخراجهما وطرق تسويقهما تحتل بالنسبة للبلدان الرأسمالية موقعا رئيسيا في استراتيجياتها للعقود الخمسة المقبلة على الأقل. ولا ننسى الدراسات الصادرة عن مراكز الأبحاث الأميركية في السنوات العشرين الماضية والتي تركز على دور المياه والغذاء في الحروب والنزاعات القادمة.

من هنا نفهم، ليس فقط أهمية تنفيذ محتوى “مشروع الشرق الأوسط الجديد”، بل ضرورة الاستعجال في إنجازه. وكون العالم العربي هو قلب هذا المشروع والمحرك لإنجازه، كان لا بد للامبريالية، الأميركية أساسا، من أن تسعى بكل الوسائل والأساليب لتنفيذه ولتفجير حركة التحرر الوطني العربية التي نشأت في كنف تقدم المشروع الاشتراكي على الصعيد العالمي، بدءا باستخدام الحروب العدوانية والاحتلال، مرورا باستعادة الدور المفقود للكيان الصهيوني كرأس حربة، ووصولا إلى العمل على تفتيت البلدان العربية إلى كيانات طائفية ومذهبية متناحرة وتوسيع دائرة انتشار القوى والمنظمات الارهابية التي تعمل تحت ستار الطائفية… ويبقى العنوان الأهم في كل ذلك هو إنهاء الصراع العربي – الصهيوني من خلال تحويل الكيان المغتصب إلى “الدولة القومية لليهود في العالم”، بما يؤمّن تصفية القضية الفلسطينية، ومعها الدويلة الفلسطينية القائمة حاليا، وإلزام الأنظمة العربية بالتطبيع مع العدو وبالمساعدة على توطين اللاجئين الفلسطينيين بعيدا عن الديار التي هجروا منها.

كيف نواجه المخططات الامبريالية؟

من هنا انطلقنا في الدعوة، في العام 2010، إلى إقامة “اللقاء اليساري العربي”، لأننا نعتبر أن لليسار دور مركزي في تنظيم المواجهة وتشكيل أطرها وتجميع مكوناتها المختلفة، وأعني بذلك كل القوى ذات المصلحة في الخلاص من الاستعمار والامبريالية وفي استعادة الثروات العربية لاستخدامها في مسائل التنمية والتقدم الاجتماعي.

وقد حددنا ذلك في البيان الختامي للاجتماع الأول بالتأكيد على التالي: “إن تجليات الأزمة تشكل، اليوم، فرصة أمام اليسار لشن هجوم مضاد يفضح، مجدداً، الطبيعة الوحشية للطور الراهن للرأسمالية، يعيد من خلاله تعبئة وتنظيم نضال الحركة اليسارية العربية على أسس ومنطلقات تشكل نواة تجمع اليسار وتوحد قواه، في مواجهة العدوانية الامبريالية الأميركية- الصهيونية على المستويات كافة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية والثقافية. والمواجهة تعني المقاومة كسيرورة نضالية يتحقق فيها الترابط بين مقاومة الاحتلال، بأشكالها المختلفة، والنضال من أجل التغيير الديمقراطي. ومن شروط نجاحها أن لا تنحصر في بلد عربي واحد، بل أن تمارسها قوى وأحزاب اليسار العربي في جميع البلدان العربية.”

كما ركزنا في كل النقاشات والبيانات على مدى إثني عشر عاما، وخاصة في البلاتفورم على أن مهمتنا الأولى تكمن في تنظيم مقاومة عربية شاملة تتخذ كل الأشكال الضرورية، بما فيها المقاومة العسكرية، وذلك بهدف مقاومة المشاريع العدوانية الامبريالية – الصهيونية، من جهة، ومن أجل طرد الاحتلالات، من جهة أخرى.

وهذا يتطلّب تفعيل اللقاء اليساري العربي، وإيجاد الأطر المكملة له كما تفعيل تلك التي أطلقناها سابقا في اللقاءات العمالية والمخيمات الشبابية.

كما يتطلّب استعادة التوجهات السياسية والاقتصادية – الاجتماعية وتحويلها إلى برامج عملية، وبناء الجبهات الوطنية التي تحملها باسم اليسار.

وعليه، لا بد من البحث جديا في كيفية العمل على إطلاق حركة التحرر الوطني العربية الجديدة التي لا بد من النضال من أجل إنشائها، وما سيكون عليه برنامجها المرحلي، ومن هي القوى السياسية التي ستكون في صلب تأسيسها.

وهذا يعني تقييم تجربة قيادة البرجوازية الصغيرة السابقة لها، وشعار الوحدة العربية وغيره من الشعارات والمواقف، وبالتحديد مواقف قوى اليسار العربي في الفترة التي تلت انهيار التجربة الاشتراكية المحققة في الاتحاد السوفياتي… مع التركيز على ربط التحرير بالتغيير الديمقراطي وعلى السعي لخلق الآليات الضرورية لتنفيذ العنوانين في كل بلد عربي على حدة وكذلك على الصعيد العربي العام.

أخيرا، أشير إلى أهمية دور اليسار العربي من خلال علاقاته الدولية، إنطلاقا من ضرورة توحيد المواجهة العالمية ضد قوى الامبريالية والاستغلال وأذرعتها العسكرية على اختلافها. 

* منسقة اللقاء اليساري العربي

(مداخلة ألقيت في الندوة الافتتاحية للقاء اليساري العربي)

بيروت في 17 أيلول/سبتمبر 2022

error: Content is protected !!