جان ـ لوك غودار : لم أكن أعلم ان مريم موجودة في القرآن

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin

خميس الخياطي

جان ـ لوك غودار لو أخرجت فيلمك «السلام عليك يا مريم» على شكل أفلام سيسيل بي دي ميل، هل تظن بأنه يواجه مثل هذه الضجة التي تواجهها الآن في مقاطعة «فرساي» الفرنسية، حيث اتخذ العمدة قرارا بمنع عرض الفيلم؟

طبعا لا… طبعا لا… هذه الضجة لها أسبابها، فهي ضمن السياسة الداخلية للكنيسة، واغتنمت الكنيسة فرصة مقال تام السذاجة نشر في جريدة «ليبيراسيون» والذي ليس له علاقة بالفيلم حتى تطالب بمنعه. تحدثت مع كاتب المقال، فأجابني بأنه رفض الحديث عن موضوع الفيلم في مقاله… رفض أن يتطرق إلى الفيلم، فكتب عن شيء آخر غير موجود حتى يتسنى له استعمال الألفاظ…

اليمين يتطرق إلى المواضيع ولكن بطريقة، غير جدية. أما اليسار، أو من ينعن نفسه باليسارية، فهو لا يكف عن الدوران حول الموضوع… وهنا، اتحد النقيضان. المقال اليميني والمقال اليساري متشابهان وليست لهما أية علاقة بموضوع الفيلم.

الأول كان يقول: كان على غودار أن يعالج الموضوع بالطريقة التالية، أما الثاني، فإنه لم يقل شيئا، أو بالأحرى قاله بلهجة عنيفة، لقد امتلك السلطة عن طريق اللفظ ولكنه لم يستعمل اللفظ… وهذه مأساة بعض الصحافيين الصادقين… قد ينقص هذا الصحافي حب التطلع الذي يعتمد عليه عصرنا اليوم…

هل تؤمن بأن عصرنا كذلك يبحث عن أساطير ليتعلق بها أمام حاضره؟

إذا كانت الأساطير قد وجدت وتخطت النسيان، فذلك لأنها تعني شيئا بدأ يخفت مع مرور الزمن واكتشفناه… نعم… الحال هي مثلما فعل «دي غول» الذي قال في فترة ما «فرنسا»… الآخرون كانوا يقولون شيئا مختلفا… فكفى دي غول أن يسمي فرنسا حتى يوجد… مثله مثل جان دارك … (يضحك)… الآخرون كانوا يقولون: يجب أن نتريث…

وان لم يكن يبحث عن أساطير، هل ترى بأنه يبحث عن خرافات؟

قد يكون ذلك صحيحا… لقد تطرقنا دائما إلى الخرفات، بدأنا بخرافة السينما. كان من الصعب حب السينما بصفة ملموسة… ان خرافة السينما هي الفيلم البوليسي… عندما أخرجت فيلم «حتى آخر نفس» كنت أنوي اخراج فيلم بوليسي ولم أع بأنني أخرجت شيئا آخر، أخرجت خرافة… وعندما يتعرف الانسان على الحياة من الشاشة ومن ورائها، فنحن في صلب الخراف. لذا، نرى بأن السينما لها أهمية كبرى…

ما الفرق بين «كارمن» و«ماري» (مريم) في خيالك؟

كارمن هي الأنوثة الخالدة ومريم هي الخلود عبر الأنوثة.

ولكن هناك اختلاف بين الشخصيتين كارمن امرأة تملك زمام الأمر ومريم امرأة مستسلمة؟

لا، لا، أبدا لا… كانت مريم امرأة شديدة الجرأة… استسلمت؟ لا يجب فهم المرأتين كمتناقضتين… انهما صورة لامرأة واحدة، مريم تمثل شخصية كفرت عن خطيئة حواء، وكارمن قد تكون خليفة مريم بصفة معاصرة وبدعم من الموسيقى… ان موسيقى فيلم «مريم» مأخوذة عن «باخ»، انها موسيقى فترة الاصلاح والناس ينسون ذلك اليوم. كان باخ يعمل في اتجاه «لوثر» ولوثر كان من محاربي المسيح الدجّال واستعمل موسيقى باخ لهذا الغرض. بالنسبة إليّ، صوت الفيلم صوت ديني، انه بروتستانتي في صوته و… كاثوليكي في صورته… والسينما هي بين هذين الاتجاهين.

في مشهد من الفيلم تسأل مريم الدكتور (الطبيب) هل للروح جسد؟ فيجيبها، للجسد روح… أليست هذه نظرة مادية للموضوع؟

نعم، هي نظرة مادية. لا يجب الفصل بين المادة والروح، الفضيحة تكمن في المواجهة بينهما… أنا أؤمن بأن للروح جسدا، ووجود الجسد مرتبط برغبة الروح في تحولها إلى جسد.

هذه نظرة روحية؟

انكم تريدون دائما تحديد الأشياء وهذا المنحى يخيفني، أنا لا أريد تحديد الأشياء… بل تبيان الأشياء ثم التعريف بها بعد ذلك. لكن الصحافيين قلقون جدا، فعوض أن يقولوا: حصلت جريمة هنا… فهم يقولون: هذه جريمة على الطريقة الايطالية (يشير إلى عملية اغتيال الجنرال «أودران» مؤخرا في فرنسا) (يضحك)… انهم يسمون الأشياء، ينسبونها، وبذلك يفقدون أصل الشيء…

هناك كثير من الهزل في «السلام عليك يا مريم» ومن جهة أخرى هناك حب عارم في مشهد تسمية الرسل مثلا؟

أظن بأن الرسل كانوا هكذا… أتتني فكرة هذا المشهد من فيلم لبازوليني، يصور الفيلم المسيح في طور الرجولة، وهو على الشاطئ يسأل عن اسم واحد من الرسل… ثم يجيبه تعال معي الآن… أما أنا فلقد صورت المشهد على طريقة الأطفال… نعم هناك هزل يبتسم له المتفرجون… عندما كنت طفلا ألعب كرة القدم، كنت أقول: أنا الآن فلان، كما نقول اليوم: أنت «بلاتيني» (مدرب الفريق الوطني الفرنسي) مثلا… يكفي أن تعاين وتستمع إلى ما يدور حولك، وهذا مستحيل اليوم.

هل تظن بأننا اليوم نميل إلى تسمية الأشياء دون معرفتها؟

اننا نتعلم تسمية الأشياء في سن مبكرة، في فترة غير بعيدة سيتولى العقل الالكتروني تعليم الأطفال تسمية الأشياء

.

رأيت في فيلمك أنك تحاول وصف تطور جسم المرأة بكل عطف وحب؟

لا أرى امكانية دخول السينما بعيدا عن الحب وعن الاحترام… ذلك يشابه النحت، النحات يضرب الصخرة حبا فيها وحتى يستخرج منها شيئا… يشبه الحب. وبما أن السينما تعتمد على الانسان، فهي أصعب من النحت… يقول لي كثير من الممثلين، إن عملنا معك فذلك لأننا نحبك نوعا ما… لقد فقدت السينما اليوم صيغة تصوير الوجوه والأجسام بحب مثلما يفعل النحات.

فيلم «السلام عليك يا مريم» يقرأ احداث العالم المعاصر في موقعين، موقع «الاخصاب الصناعي» وموقع الاباء الذين يحتلون مكان الأم تجاه الطفل؟

هذا صحيح… بدأت من شاطئ ووصلت إلى شاطئ لم أظن أبدا أني سأصل إليه… اني سعيد ولست سعيدا في آن واحد لاخراج مثل هذا الفيلم… انه يمثل بالنسبة إليّ نوعا من العبور الوحدوي، أو العزلة.

لقد حاولت على صعيد الصورة خلق أجواء وادي الأردن كما كنت تتصورها؟

نعم… حاولت ذلك… أردت ايجاد علاقة ديمقراطية بين صور الفيلم حتى لا تطغى صور معينة على صور أخرى… وبالأخص بالنسبة إلى الأشياء التي قد تكون أكثر أهمية من الموضوع… هذا صعب أو قل أنه أصبح صعبا اليوم. لنأخذ التلفزيون، انه يميز رأس ووجه المذيع على حساب الأحداث… من الصعب اليوم سرد قصة كما يعيشها الناس، الصور المتعددة غير موجودة اليوم، انها محاكاة أو ذكريات… الصور أي الرسوم العظيمة كما تجسدها العلوم عند اكتشافها للفضاء أو لجسم الانسان أو لتكوين الذرة… هذه الصور قليلة ومحاصرة من طرف الكلمة واللفظ… فعدم وجود علاقة بين هذه الصور وهذه الألفاظ يقلق الناس ويجعلهم يستهلكون الصورة كما يستهلك الأطفال علب الشوكولاته.

رأيت بأن صورة مريم في فيلمك تتطابق وصورتها في «القرآن»، انها صورة توحي بالحب والعطف؟

هوذا، هذا صحيح… السينما هي مرآة تلتقط العناصر الدالة عن تحول ما في المجتمع… لم أقرأ القرآن حتى الآن وسأبدأ في قراءته… لم أفكر بأني في هذا المستوى من المعاصرة والقدم. عندما قرأت المقالات التي كتبت حول الفيلم وجدت ان لفيلمي عروقا منتشرة في كثير من الحضارات اليوم وهي عروق متشعبة. لنأخذ حالة «أطفال الأنابيب» انها حالة ناجمة عن حب ولذة لأن الهدف لن يكون الأمومة فقط وانما الطفل بحاله… انه برهان يدل على الرغبة… لأننا ننسى اليوم بأن الطفل الذط يلد بصفة طبيعية هو آت من الرغبة… حين فكرت في موضوع مريم، لم أفكر في موضوع الكاثوليكية ومريم هي شخصية هامة في هذه الديانة وما تقوله عن صورة مريم في القرآن يعجبني لأني تطرقت إلى موضوع مريم من وجهة نظر صادقة وطبيعية… أنا مع وجهة نظر العرب إزاء هذا الموضوع لأن الأوروبيين ينظرون إلى موضوع مريم بطريقة حادة. لم أكن أعلم إذا كانت مريم موجودة في الكتاب المقدس الاسلامي، الآن أرى بأن لي حسا شرقيا، حسا عاطفيا تجاه مريم، وهذا يريحني.

باريس

error: Content is protected !!