مقاومة الإستلاب حماية للهويّة الحضارية وتجدّدها

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin

  ساسين عساف    

إستلاب الآخر يعني إحتواء هويّته ومحو ماضيه وتراثه ومنجزاته وذاكرته وتدمير كيانه الحضاري والثقافي وإبطال فاعلية هذا الكيان في الإنتاج المعرفي والعلمي وإخراجه من الراهن وجهله يتقبّل ثقافة الإمتثال والإذعان والتبنّي والتنميط والإستنساخ والتبعية والإغتيار والتماهي فيتمّ تجريد الهوية من عناصرها التكوينية.

أمّا المقاومة فتعني التجذّر والتأصّل في الهوية والتفاعل الإيجابي مع التراث والتواصل المبدع مع الذات وتأكيد حضورها الفاعل في التاريخ وشدّها إلى مصدر نموّها وأصل إنتمائها الحضاري.

  • محرّكات ثقافة الإستلاب 
  • مركزيّة الذات EGOCENTRISME
  • الشعور بالتفوّق وفائض القوّة والنزوع إلى السيطرة الشاملة في المجالات كافة وبخاصة المجال الثقافي (المنظومات المعرفية والقيمية والسلوكية)
  • الذعر من الآخر (مثاله الإسلاموفوبيا)
  • عدم الإعتراف بالآخر، وجوداً وحقّاً وقيمة (مثاله العنصرية الصهيونية)
  • أحادية النظرة الدينية أو الإيديولوجية إلى التاريخ (مثالها النظرة اليعقوبية والإيديولوجيات الشمولية الدينية منها والعلمانية)
  • نهب الثروات والتحكّم بمصادر الطاقة (مثاله الرأسمالية الغربية المتوحّشة)
  • العبث بعناصر تكوين الهوية وكسر الوعي بها والإنتماء إليها، القوم والدين واللغة، وفصلها عن مراجعها الثقافية خصوصاً الأصول والنصوص التأسيسية (مثاله ثقافة العولمة المتأمركة) 
  • تجلّيات ثقافة الإستلاب
  • السيطرة العسكرية (ثقافة روما الوثنية، ثقافة الإستعمار الأوروبي، ثقافة الإستعمار والأمن القومي الأميركي، ثقافة الكيان الصهيوني) 
  • السيطرة الدينية (ثقافة روما المسيحية، الثقافة اللاّتينية.. الحروب الصليبية.. الفتوحات الإسلامية والحروب الجهادية.. التبشير والإرساليات المسيحية..)
  • السيطرة الثقافية (ثقافة أثينا: الثقافة اليونانية العقلانية) (ثقافة أوروبا: ثقافة النهضة وعصر الأنوار وقيم الثورة الفرنسية وحركة الإصلاح الديني) (ثقافة أميركا: ثقافة التوحّش والإبادة، الثقافة التلمودية والصهيونية العالمية، ثقافة “العنف المقدّس”، العلم والتكنولوجيا، الأنماط السلوكية، الحريات والليبرالية..)
  • السيطرة الإقتصادية (الرأسمالية التوسّعية الأوروبية: الإستعمار القديم والبحث عن الأسواق الإستهلاكية) (الراسمالية المتوحّشة الأميركية: الإستعمار الجديد وقيم السوق والربحية)
  • أدوات ثقافة الإستلاب
  • الإستلاب بالمعرفة المتجدّدة

ما يميّز الثقافة الغربية دينامية نظامها المعرفي القائم على مبدأ التحوّل والإستيلاد فهي تستولد باستمرار من نظام معرفي قائم نظاماً جديداً عن طريق العقل الإختراقي الإستبنائي (RAISON RESTRUCTUELLE) والعقل الشكّي التساؤلي الإشكالي النقدي والتنقيحي (REVISIONISTE) حيث لا بدائه ولا مسلّمات ولا مفكّر فيه (IMPENSE).. هذا فضلا” عن العقل الإختباري (EMPIRIQUE) محرّك التفكير وحافزه إلى المعرفة.

  • الإستلاب بادّعاء “الرسالة الخلاصية”

هذه “الرسالة” (MISSION) هي وليدة عقدة “مسيحانية” تعرف بعقدة ال”MESIAS” المخلّص المنتظر أساسها الشعور بأنّ الغرب هو حامل “رسالة عليا” تسمح له بالتسيّد على الآخر(من هو هذا الآخر؟ في رأي سمير أمين هو دول العالم الثالث، دول الهامش، وفي رأي إدوار سعيد هو الشرق..) مقولتها هي التالية: أسياد الغرب هم أسياد العالم! فهم “مختارون” وهم القوّامون على أخلاقيات العالم وعلومه واقتصادياته وأمنه وسياساته وثرواته وأنماط عيشه وسلوكياته ومعاييره القيمية.

قال الرئيس بوش في إحتفال تنصيبه للولاية الثانية: “إنّ نداء من السماء يدعونا للدفاع عن الحرية..” (20/1/2005)

  • الإستلاب بالوباء الشوفيني

ثقافة المنتصر تنظر إلى نفسها كتلة من الإعتقادات الصلبة والقيم والسلوكات المتعالية وترى في المختلف عنها مجال غزو وسيطرة. هيغل، فيلسوف الذاتية الغربية المتعالية، يقول: “الغرب هو الأسمى والأرفع عقلياً وثقافياً ودينياً وعرقياً والعالم الآخر هو الأدنى والأحطّ في كلّ ذلك..”

فوكوياما وفّر لهذا الوباء غطاءاته الفكرية والإيديولوجية والإعتبارية في كلامه على عصر النهايات جرّاء انتصار الرأسمالية على الإشتراكية والليبرالية على الماركسية: نهاية الإيديولوجيا، نهاية التاريخ، نهاية الدول والسيادات.. هذه “النهايات المزعزمة التي عاد عنها لاحقا” فوكوياما نفسه جعلت الغرب الأميركي يعتمد التعامل العنفي مع الآخر ويطلب اللحاق والتماهي بثقافة المنتصر ويرهب العالم ثقافياً وتقسيمه إلى “عالم الخير وبؤر الشرّ”.

  • الإستلاب بإعادة تشكيل الهويّة

المنتصر تمتلكه الرّغبة الجامحة في تعميم هويّته. فهو من يتحكّم بتكنولوجيا الإتصالات والمعلومات ويدير مجتمع الإعلام والإعلان (CYBERNETIQUE) قوّة الإستعمار الخفي. في عالم متحوّل ومترابط يجعل الحدود بين الهويات مرنة ومفتوحة وقابلة لإعادة التشكيل والإمتثال والتماهي والقطع مع أصولها ومراجعها الثقافية و”فراغ المعنى”..

  • الإستلاب بالإكراهات المعرفية وتزييف الوعي التاريخي

الإدّعاء بأن أصول الفلسفة وبداياتها تعود إلى الإغريق يقطع الفلسفة اليونانية عن أصولها البابلية والمصرية والهندية والكنعانية. فالمعجزة الإغريقية مصطنعة. هذا ما يؤكّده روجيه غارودي في كتابه “حوار الحضارات”.

من هذه الإكراهات كذلك توظيف المسيحية في تفسير التفوّق الأوروبي وتغريبها عن منبتها الأصلي، الشرق.

  • االإستلاب بالنظرة الإستشراقية اللاّتاريخانية للإسلام

المستشرق ” غرونباوم” أقام تعارضاً جذرياً بين الحضارة الغربية القائمة على المركزية الإنسانية (ANTHROPOCENTRISME) والحضارة الإسلامية القائمة على المركزية الربّانية (THEOCENTRISME) وبذلك يقصد أنّ الحضارة الغربية ذات بنية مفتوحة تتّسع لإمكانات ثقافية متعدّدة وأنّ الحضارة الإسلامية ذات بنية مغلقة لا تتقبّل مثل هذه الإمكانات.

  • الإستلاب بالتحريض الإيديولوجي على الإسلام

الخوف من الإسلام تحوّل من حالة بسيكولوجية إلى فعل إيديولوجي تحريضي متحكّم بالعقل الإستعماري الغربي المعاصر ومسترجع لمقولات الإستعمار القديم (ومنها مقولة إرنست رينان: “من الضروري أن تقهر الروح الآرية العقلانية والعلمية الروح الإسلامية الساميّة اللاّعقلانية..”) ومرسّخ صورة الإسلام النمطية المشوّهة (العقيدة المغلقة، العنف والإرهاب) في أذهان الغرب.

أبرز تجلّيات هذا الفعل الإيديولوجي نجدها في كتاب صامويل هنتنغتون “صدام الحضارات”: الإسلام يمثّل تهديداً للغرب والصراع بينهما هو صراع ديني. الإسلام مساو “لأمبراطورية الشرّ القديمة” (الإتحاد السوفياتي) في رأي دانييل بايبس صاحب كتاب “الإسلام المتشدّد وصل أميركا”.

وراء هذه التجلّيات مرض الخوف من الإسلام ومرض الجهل بالإسلام ما يؤكّد صحّة ما يسمّيه إدوار سعيد “صدام الجهالات”.

  • الإستلاب بادّعاء الحرب على الإرهاب

من أشدّ أشكال الإعتداء على الهوية العربية شراسة وسمها بالإرهاب مقرونا” بالتخلّف الحضاري والشرّ المطلق  فالعربي إرهابي بالولادة. يستحلّ قتل الآخر، عنفي لتكوينه الصحراوي وثأري لطبعه البدوي (من خطاب أدب الرحلات والإستشراق). ومنذ سبعينيات القرن الماضي تشكّلت في الخطاب الغربي صورة “العربي الإرهابي” ناسف الطائرات يخطف ويغتال ويهدّد الأمن الإقليمي! وبعد تدمير برجي التجارة في نيويورك في الحادي عشر من أيلول استكملت في الإعلام الغربي صورة العربي الإرهابي المدمّر مهدّد الأمن الدولي، وأصبحت تلاحقه أجهزة الأمن على الهويّة بحجّة الحرب على الإرهاب.. وبالحجّة نفسها كانت الحرب على العراق واحتلاله وعلى السودان وليبيا وسوريا باعتبارها في التصنيف الأميركي دولاً مصدّرة وداعمة  للإرهاب.

هذا الربط المتعسّف بين العربي والإرهاب لقي ترجمته في الوصفة السحرية التي قدّمها كولن باول للمملكة العربية السعودية وعنوانها “قليل من الإسلام في نظامها التربوي” فالإسلام كما يدّعي جهلاً وتحريضاً جون آشكروفت (وزير عدل أميركي سابق) “دين يطلب فيه الله منك أن ترسل إبنك ليموت في سبيله..”  كذلك إليوت كوهين عضو مجلس سياسات الدفاع في البنتاغون لا يقلّ عن زميله جهلاً وتحريضاً بقوله: ” الإسلام هو إيديولوجيا الإرهابيين.”

هذه الآراء ربطا” بآراء برنارد لويس الواردة في كتابيه “جذور الهيجان الإسلامي” و”ثقافات في صراع” شكّلت الخلفية الثقافية التي حرّكت “المحافظين الجدد” لدفع الإدارة الأميركية إلى شنّ حروبها على “البؤر العاصية”. 

  • الإستلاب بإعادة تشكيل الدولة وتدمير أطر الإنتظام الجمعي وبنياته الدستورية (الإستعمار الإمبريالي وتدمير العراق وليبيا… )
  • محرّكات ثقافة المقاومة 
  • الحقّ القانوني في الدفاع عن الهويّة بمقوّماتها وخصوصياتها كافة.
  • الحقّ في إعادة تشكيل الهويّة وفق مألوفها التاريخي واستكمال الوعي الذاتي لسيرورتها التاريخية ربطاً بالتراث فلا قطيعة أو تجاوز. قيم التراث تتحوّل إلى ما يعرف في علم السياسة ب “الأيقونوغرافيا” (ICONOGRAPHIE)
  • الحقّ في الإختلاف والتشبّث بمنظومة القيم الخاصّة والنماذج الثقافية العليا (STEREOTYPE) أو ما أسمّيه “ميتافيزيك الهويات”.(METAPHYSIQUE) القيم والنماذج الثقافية العليا تحمي الهوية من التشوّه وفقدان المعنى لأنّها تمدّ جذورها عميقة في التاريخ مع قابلية الإستحضار في أيّة لحظة.
  • الحقّ الطبيعي في “الإنتماء الذي يعني أنّ الجزء والكلّ شيء واحد”. (هيغل)
  • الحقّ في “الأمن الثقافي” الذي هو جزء لا يتجزّأ من الأمن الوطني أو القومي.
  • تجلّيات ثقافة المقاومة 
  • رفض التطبيع مع الثقافة الصهيونية وبناءاتها المرجعية التلمودية والتوراتية: الإختيارية، العنصرية، الإرهابية، الإستعمارية، الإبادية، الإستئصالية، الترحيلية..
  • مواجهة “العولمة المؤمركة”، عولمة السيطرة الأمبراطورية على العالم، عولمة الرأسمالية المتوحّشة بمركزيّتها الغربية وملحقاتها الطرفية في العالم الثالث.
  • التمسّك بالمقاومة المسلّحة حقّاً من حقوق الشعوب لتحرير أراضيها المحتلّة وهو حقّ مكرّس في القانون الدولي والإتفاقات الدولية لا سيّما إتفاقية جنيف الرابعة وذلك في وجه الخطاب الإرهابي الأميركي/الصهيوني الذي يصنّف المقاومة في لبنان والمقاومة في فلسطين والمقاومة في العراق منظّمات إرهابية.
  • التشبّث بالعروبة الحضارية هويّة جامعة، وإعادة تأسيس مشروع النهوض العربي، وركنه التجدّد الحضاري.
  • التجدّد في الفكر الديني والتجدّد في الفكر القومي وحماية الفكرة العربية من مخاطر العولمة، ومنه تزييف الهوية واصطناع أخرى إفتراضية.
  • عدم الإعتراف بشرعية السيطرة الغربية المركنتيلية والكلبية (CYNIQUE) على المجتمعات العربية ونزع الأبعاد الروحية والقيمية والأخلاقية من حياة شعوبها ومناهج التربية والتفكير والعمل.
  • التحرّر من استلابات “العقل الإرجاعي” (ANACHRONISTIQUE) فالحداثة العربية أحدثت قطعاً معرفياً مع طقوسيّة التراثات البالية. والمقولة في ذلك أن التواصل مع التراث يكون مع الجمر وليس مع الرماد. فمقاومة الثقافة الوافدة أو الدخيلة  تقبض على جمر التراث وليس على رماده. المنعة في الجمر حركة تأسيس دائم لفعل مقاوم.
  • مواجهة “الإستلابات المركّبة” الخارجية والداخلية المتعاونة لتكوين “سلطات القهر التاريخي” وترسيخها في المجتمعات العربية (الأنظمة السياسية المستبدّة والفاسدة والحاكمة بإرادة القوى الخارجية) فضلاً عن “سلطات أهلية ودينية” تمارس سيطرتها وسيادة قوانينها الخاصة على تلك المجتمعات (سلالات قبائل وعشائر وطوائف ومذاهب). هذه المواجهة قادها الشباب العربي الثوري في العام 20011 بعنوان الكرامة والحرية والعدالة والتحرّر قبل أن تنقضّ على ثورته قوى من خارج السياق وتنهيها (الإخوان المسلمون في مصر).
  • أدوات ثقافة المقاومة
  • المقاومة بوحدة الكيان الحضاري

تآكلت وحدة الكيان الحضاري العربي بفعل ما أحدثته فيه تشظّيات المجتمعات العربية، في واقعها الراهن، وتحوّلها إلى هويات فرعية. هذا الواقع لا مكنة له على مقاومة الإستلاب. المركّب الجمعي العضوي له القدرة على المقاومة. وهذا ما يثبته علم الأفعال والوقائع. الهوية العربية حافظت على وحدة كيانها الحضاري منذ الإسلام حتى إنهيار الدولة العباسية حيث بدأت تمارس عليها إستلابات الدولة العثمانية وبعدها إستلابات الحداثة الأوروبية. بدءاً بخمسينيات القرن الماضي ومع تصاعد المدّ القومي العربي استرجعت المجتمعات العربية وعيها بوحدة كيانها الحضاري ثمّ قدرتها على مقاومة ثقافة الإستلاب والتجزئة. بانحسار المدّ القومي الوحدوي تقدّم الإسلام السياسي بحركاته وتيّاراته كافة الأصولي الإصلاحي والتصالحي والسلفي الإسترجاعي والجهادي الدعوي والجهادي التكفيري والقاعدي الداعشي. هذا الإسلام السياسي أطاح بوحدة الكيان واستفاقت بنتيجة أفعاله الهويات الفرعية. 

وحده الإسلام المقاوم في فلسطين ولبنان في لحظات المواجهة مع الكيان الصهيوني أشعر العرب بوحدة الكيان والهويّة ما عزّز قدرات المقاومة وثقافة المقاومة.

  • المقاومة بالهويّة العربية

المجتمعات العربية الراهنة تتعرّض لشطب هويّتها العربية الجامعة تنفيذاً لاستراتيجيات السيطرة التي تستدعي تفكيك الهويات وإعادة تركيبها. من نحن؟ هو السؤال الإجرائي التي تطرحه على العرب إستراتيجيات محو الهوية. هذا السؤال يحتمل جوابين: إمّا هوية عربية واحدة قادرة على مقاومة تلك الإستراتيجيات وإمّا هويات متشظّية، كما هي اليوم، تساعد على تنفيذها. الخروج من الهوية العربية للتماهي في هويات مصطنعة (الشرق الأوسط الجديد أو الكبير) أو للّجوء إلى الهويات الفرعية المادون وطنية التي تشكّل “مآوي ثقافية ضيّقة” للطوائف والمذاهب والسلالات هو التلاشي المطلق والخروج النهائي من التاريخ ووضع الذات بيد الآخر.

  • المقاومة بالهوية الإسلامية

ثمّة تفسيرات إستشراقية حديثة وملتوية للهوية الإسلامية، منها: اعتزامه شنّ حرب جهادية على الحضارة الغربية، وصمه بالعنصرية والعنف والإرهاب، نزوعه إلى التوسّع، حضّه على الكراهية، عداوته للحريات وحقوق الإنسان…هذه التفسيرات الملتوية تقاوم بالإسلام دينا” للسلام والأخوّة بين الشعوب والحوار والمودّة والتسامح والرحمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهي تقاوم بالإسلام ديناً جعل حقوق الإنسان فرائض وتكاليف بصرف النظر عن لونه ودينه ولغته أو قوميته. وهي تقاوم بالإسلام ديناً يحضّ على حرية الفكر والعقل يحترم التنوّع ويرفض التكفير. وهي تقاوم بالإسلام ديناً عقلانياً أسهم في بناء الحضارة الغربية وتفاعل مع حضارات الشعوب كافة القديم منها والحديث. وإنّ بينه وبينها تاريخ حضاري مشترك عرّفه الكاتب الأميركي مايكل هاملتون مورغن ب”التاريخ الضائع” وهو في رأيي “التاريخ المغيّب” ونحن العرب من يتحمّل مسؤولية إحضاره.

– المقاومة باللغة

ثمّة زلزال معلوماتي حاصل ضرب العالم كلّه وأدخل شعوبه في استلابات الهويّة، فتكنولوجيا المعلومات والاتصالات تمتلك قوّة سيطرة هائلة على العقول والميول والامزجة والاذواق ومناهج التفكير وأنماط  السلوك وأساليب التعبير عبر اللغة حتى بات السؤال المطروح من أنا أو من نحن سؤالاً طبيعياً  يتردّد على ألسنة من يعيش في اشكالية الثنائيات اللغوية أو ثلاثياتها أو رباعياتها أحيانا”.. فالشكل الجديد للصراع المعرفي والعلمي والتكنولوجي والمعلوماتي هو بين من يمتلك المعرفة والعلم والتكنولوجيا والمعلومات ويسيطر باللغة وبين من يستوردها وليست له القدرة على استخدامها بلغته الخاصة. اللغة، إذا”،هي قوّة السيطرة. فاللغة المسيطرة على شبكات الاتصال الالكتروني والصناعة المعلوماتية والالكترونية تغلّب ثقافة من له القدرة على الانتاج والتصدير على ثقافة من ليس له سوى الاستهلاك والتلقّي. وثمّة قانون تاريخي تشهد بصحّته الوقائع يقول: انّ الامم تؤخذ من عقول أبنائها قبل أن تؤخذ بسلاح أعدائها.. والسلاح الأمضى في السيطرة على العقول هو اللغة.. (حركة الاستشراق والارساليات مهّدت لحركة الاستعمار)

بين اللغة والهويّة علاقة تكوينية/عضوية وكيانية. اللغة مكوّن رئيس من مكوّنات الهويّة وإنّها الهويّةفي الوعي الثقافي الأتمّ. وهي عنصر من العناصر الفارقة بين الهويات. إنّها تركيب عقلي ونفسي ووجداني مخصوص به شعب ما.

حين تدخل اللغة الأجنبية إلى وعي الآخر وحسّه ومزاجه ووجدانه ومفاصل نظامه المعرفي والثقافي ومنهج تفكيره تكون قد دخلت إلى هويّته وحملت إليها تحديات النقيض لنقيضه. من هذه التحديات: التماهي باللغة خروج من الهوية. من مآزق الهويات حاجتها لاستخدام لغة المسيطر لنقل المعارف والعلوم والتكنولوجيا الحديثة. فهذه اللغة سرعان ما تتحوّل من لغة تمكين إلى لغة تكوين. حينئذ تنكسر العلاقة بين اللغة والهوية فتفقد اللغة هويّتها والهويّة لغتها وفي هذا ذروة الإستلاب وعمق معناه. الهويّة ليست قميصاً يبدّل عند الاقتضاء.. وليس من اليسر في شيء الدخول السهل في ” الهويات البديلة ” وهي “هويات قاتلة”.

بدون المحافظة على العلاقة بين الهويّة واللغة تستحيل المقاومة باللغة.

تصبح المحافظة على العلاقة ممكنة متى تهيّات القدرة على التوليف بين الذات والآخر فلا تنزلق الذات في خدمة برامج السيطرة الاجنبية ولا تنقاد بضغط الخوف من ثقافة الآخر الى ممانعة مجّانية ترتدّ عليها قطعاً معرفياً مع منجزاته.

المنهج التوليفي مسألة صعبة ومعقّدة لذلك نقترح اعتماد اللغة العربية في العلوم الانسانية والاجتماعية والتربوية حيث تقوم اللغة بوظيفة تكوينية، واعتماد الأجنبية في سائر العلوم والتكنولوجيا حيث تقوم اللغة بوظيفة ايصالية.

هكذا تكون العربية لغة تأصيل وتكوين والأجنبية لغة إغناء وتمكين، تمكين الذات عبر الاكتمال المعرفي بالآخر.

( تجربة الجزائر ولبنان من أغنى التجارب الدالّة على التفكيك والتغريب متى غيّبت اللغة الام وانعدمت قدرتها على التكوين والتأصيل)

انّ ” لغة الاغتيار الثقافي ” اذا سادت، كما هي سائدة اليوم في بعض جوانب حياتنا العامة، أدخلتنا في ما أسميناه في كلام سابق ” استلابات الهويّة ” أو في ما أسمّيه هنا ” الهويات المائعة أو المسيّلة”..

في مرحلة استهداف الهويات والذاتيات القومية الشعوب الجادّة لا تستسيغ الفيض في “الترف اللغوي” الذي يتّخذ من أزعومة التعدّد الحضاري حجّة وجود وشرعيّة بقاء. المستساغ، والحالة هذه، هو استخدام اللغة الأجنبية جواز عبور إلى الآخر وتوظيف منجزاته في تنمية الذات وتمكينها من الإستواء على خطّ التقدّم المعرفي والعلمي والتكنولوجي وخطّ التواصل الانساني.

error: Content is protected !!